ابن قتيبة الدينوري
23
الإمامة والسياسة ( بيروت )
فخرجا مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة ، فلقيا أبا عبيدة بن الجراح رضي اللَّه عنه فانطلقوا رضي اللَّه عنهم جميعا ، حتى دخلوا سقيفة بني ساعدة ، وفيها رجال من الأشراف ، معهم سعد بن عبادة رضي اللَّه عنه ، فأراد عمر رضي اللَّه عنه أن يبدأ بالكلام ، وقال : خشيت أن يقصر أبو بكر رضي اللَّه عنه عن بعض الكلام . فلما تيسر عمر للكلام ، تجهز أبو بكر رضي اللَّه عنه وقال له : على رسلك ، فستكفى الكلام ، فتشهد أبو بكر رضي اللَّه عنه ، وانتصب له الناس ، فقال [ ( 1 ) ] : إن اللَّه جل ثناؤه بعث محمدا صلّى اللَّه عليه وسلّم بالهدى ودين الحق ، فدعا إلى الإسلام ، فأخذ اللَّه تعالى بنواصينا وقلوبنا إلى ما دعا إليه ، فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاما ، والناس لنا فيه تبع ، ونحن عشرة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، ونحن مع ذلك أوسط العرب أنسابا ، ليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة . وأنتم أيضا واللَّه الذين آووا ونصروا ، وأنتم وزراؤنا في الدين ، ووزراء رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وأنتم إخواننا في كتاب اللَّه تعالى وشركاؤنا في دين اللَّه عز وجل وفيما كنا فيه من سراء وضراء ، واللَّه ما كنا في خير قط إلا كنتم معنا فيه ، فأنتم أحب الناس إلينا ، وأكرمهم علينا ، وأحق الناس بالرضا بقضاء اللَّه تعالى ، والتسليم لأمر اللَّه عز وجل ولما ساق لكم ولإخوانكم المهاجرين رضي اللَّه عنهم ، وهم أحق الناس فلا تحسدوهم ، وأنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة ، واللَّه ما زلتم مؤثرين إخوانكم من المهاجرين ، وأنتم أحق الناس ألا يكون هذا الأمر واختلافه على أيديكم ، وأبعد أن لا تحسدوا إخوانكم على خير ساقه اللَّه تعالى إليهم ، 22 وإنما أدعوكم إلى أبي عبيدة أو عمر ، وكلاهما قد رضيت لكم ولهذا الأمر ، وكلاهما له أهل . فقال عمر وأبو عبيدة رضي اللَّه عنهما : ما ينبغي لأحد من الناس أن يكون فوقك يا أبا بكر أنت صاحب الغار ثاني اثنين ، وأمرك رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بالصلاة فأنت أحق الناس بهذا الأمر . فقال الأنصار : واللَّه ما نحسدكم على خير ساقه اللَّه إليكم ، وإنا لكما وصفت يا أبا بكر والحمد للَّه ، ولا أحد من خلق اللَّه تعالى أحب إلينا منكم ، ولا أرضى عندنا ولا أيمن ولكنا نشفق مما بعد اليوم ، ونحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا ولا منكم ، فلو جعلتم اليوم رجلا منا ورجلا منكم بايعنا ورضينا ، على أنه إذا هلك اخترنا آخر من الأنصار فإذا
--> [ ( 1 ) ] قارن مع الطبري - ابن الأثير - ابن كثير ، باختلاف في الألفاظ والتعابير .